الشنقيطي
182
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ثانيا ضعف استدلال المعارض لأن : ما أدركتم فصلوا . على من أدرك من الجمعة ركعة خاص بها . ثم إن معنى الإدراك ليس كما ذهب المستدل إليه ، بل لا بد أن يكون إدراكا لما يعتد به . وأشرنا إلى أن الإجماع على أن من لم يدرك ركعة كاملة لا يعتد بها في عدد الركعات ، ويشير إلى هذا المعنى حديث أبي بكرة حيث ركع قبل أن يصل إلى الصف ليدرك الركعة قبل أن يرفع النّبي صلى اللّه عليه وسلم رأسه ، ولو كان إدراك الركعة يتم بأي جزء منها لما فعل أبو بكرة هذه الصورة ، وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « هذا زادك اللّه حرصا ولا تعد » « 1 » . ومعلوم أنه اعتد بتلك الركعة لإدراكه الركوع منها ، وبهذا تعلم أنه لا دليل لمن اشترط إدراك شيء من الخطبة ، لأن من أدرك ركعة فقد فاتته الخطبة كلها ، وفاتته الأولى من الركعتين ، وأدرك الجمعة بإدراك الثانية . والعلم عند اللّه تعالى . حكم صلاة الجمعة عنقها الفدء قوله تعالى : إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ . فيه الأمر بالسعي إذا نودي إليها ، والأمر يقتضي الوجوب ما لم يوجد له صارف ، ولا صارف له هنا ، فكان يكفي حكاية الإجماع على وجوبها ، كما حكاه ابن المنذر وابن قدامة وغيرهما ، ونقله الشوكاني ، وهو قول الأئمة الأربعة رحمهم اللّه ، ولكن وجد من يقول : إن الجمعة ليست واجبة . ولعله ظن أن في الآية صارف للأمر عن الوجوب ، وهو ما جاء في آخر السياق في قوله تعالى وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ فقالوا : إن الأمر لتحصيل الخير المذكور ، وقد نقل عن بعض اتباع بعض الأئمة رحمهم اللّه ما يوهم أنها ليست بفرض ، وهو مسطر في كتبهم ، مما قد يغتر به بعض البسطاء ولا سيما مع ضعف الوازع وكثرة الشاغل في هذه الآونة ، مما يستوجب إيراده وبيان رده من أقوال أصحابهم وأئمتهم رحمهم اللّه جميعا . فعند المالكية حكاية ابن وهب عن مالك أن شهودها سنة . وعند الشافعية قال الخطابي : فيها الخلاف هل هي من فروض الأعيان أو من
--> ( 1 ) سبق تخريجه .